المقريزي

137

المقفى الكبير

ودخل الملك الناصر دمشق في ثاني عشر شعبان سنة تسع وسبعمائة . وبعث إليه « 1 » الأمير علم الدين سنجر الجاولي بالأمان فاعتلّ عليه بحضور أحد ثقات السلطان إليه وحلفه له ، فحلف السلطان له ووجّه باليمين صحبة الأمير الحاج أرقطاي الجمدار ، فقدم معه ، وخرج السلطان فتلقّاه . فلمّا عاين السلطان ترجّل ، وهو مشدود الوسط ، وتحت إبطه نصفيّة « 2 » - يشير إلى أنّها كفنه - فترجّل السلطان أيضا له وعانقه ، وقد خرج معظم أهل دمشق ، فلمّا رأوا السلطان يعانقه صاحوا بصوت واحد : بتربة والدك الشهيد ، لا تغيّر عليه ولا تؤذه ! - وتباكوا . فأقبل السلطان عليه وأفاض عليه الخلع وأركبه ، ورسم له أن يجلس بدار السعادة ويحكم على عادته ويستقرّ في نيابة الشام ، فسرّ الناس ذلك فرحا به ومحبّة له . وأصبح من الغد فقدّم للسلطان تقدمة سنيّة قيمتها مائتا ألف درهم . وسار إلى مصر مع السلطان . فبلغ السلطان عنه ، وهو نازل ببركة الحاجّ ، أنّه قد عزم أن يثور هو وبرلغي الأشرفيّ في جماعة من البرجيّة ويفتك بالسلطان ، فبادر وصعد إلى قلعة الجبل . وأصبح يوم الخميس ثاني شوّال ليجلس بالإيوان . فلمّا اجتمع الأمراء أشار الأفرم إلى مغنّيه مسعود وقال له : قم فغنّ « أحبّة قلبي » - فرفع عقيرته ، وكان شجيّ الصوت ، وغنّى بهذه الأبيات ، وهي لبعض المصريّين « 3 » قالها لمّا توجّه الملك الناصر إلى الكرك ، وهي [ الطويل ] : أحبّة قلبي إنّني لوحيد * أريد لقاكم والمزار بعيد كفى حزنا أنّي مقيم ببلدة * ومن شفّ قلبي بالفراق فريد [ 211 ب ] أجول بطرفي بالديار فلا أرى * وجوه أحبّائي الذين أريد فطرب [ الأفرم ] وأخذ كلفتاه عن رأسه ووضعها بين يديه ساعة ، ودموعه تتساقط على شيبته إلى [ أن ] أخذ الأمير قراسنقر نائب حلب الكلفتاه ووضعها على رأسه . وخرج السلطان فجلس وصرف الأفرم عن نيابة الشام بقراسنقر ، وأنعم على الأفرم بصرخد . فسار إليها وأقام بها إلى أن مات الحاج بهادر الحلبيّ نائب طرابلس في ربيع الآخر سنة عشر وسبعمائة ، فنقل إلى نيابة طرابلس ورسم له أن [ لا ] يدخل دمشق خشية أن تنشب أظفاره فيها ويقوم أهلها معه لحبّهم فيه . فتوجّه إلى طرابلس على مشاريق مرج دمشق في جمادى الآخرة منها ، وأقام بها على وجل إلى [ أن ] خرج الأمير قراسنقر نائب حلب منها ولحق بمهنّا . فكتب إليه يستميله فأجابه إلى موافقته ، وبعث بخمسة آلاف دينار إلى صهره الأمير عزّ الدين أيدمر الزّردكاش بدمشق ليفرّقها على من يوافقه . وأنفق الأموال في عسكر طرابلس وسار بجماعة معه إلى قراسنقر . وتوجّهوا في أخريات سنة اثنتي عشرة وسبعمائة إلى خربندا ملك المغل فأقطع الأفرم همذان . وأقام بها حتى مات في ثالث عشر المحرّم سنة ستّ عشرة وسبعمائة « 4 » . وقيل : بل تأخّرت وفاته إلى بعد العشرين وسبعمائة . وحكى عنه أنّه في ابتداء أمره رأى فقيرا مغربيّا

--> ( 1 ) أي ، إلى الأفرم . ( 2 ) النصفيّة : ثوب خشن من القطن . وانظر النجوم 8 / 265 وما يتبعها . ( 3 ) في النجوم : لبعض عوامّ القاهرة ( ج 9 / 10 ) . ( 4 ) في السلوك 2 / 187 : في 23 محرّم 716 .